العلاج النفسي بين التحقير و التقديس

بداية، هل العلاج النفسي فاشل… أم أن المشكلة في توقعاتنا منه؟يتردد على مسامعي هذا السؤال دائما : “لماذا لا ينفع العلاج النفسي في كثير من الأحيان؟” و لكوني باحث في علم النفس بطرق مختلفة عن التكوين الأكاديمي، أرى أنه ينبغي أن نبدأ من نقطة دقيقة و متوازنة جداً: العلاج النفسي ليس وهماً، وليس علاجاً سحرياً في الوقت نفسه. فهو من جهة، من أكثر التدخلات النفسية دراسة في العقود الأخيرة، وقد أثبتت مئات الدراسات والمراجعات العلمية أنه يساعد عدداً كبيراً من المرضى في الاكتئاب، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات الشخصية، وبعض المشكلات السلوكية والانفعالية. لكن من جهة أخرى، لا تقول الأدلة العلمية إن كل من يدخل العلاج النفسي يتحسن، ولا أن كل تحسن يعني شفاءً كاملاً، ولا أن كل جلسات العلاج تسير في الاتجاه الصحيح.وهنا مربط النقاش العلمي الحقيقي و البعيد عن النقاش السوقي البسيط، و المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بين من لا تخصص له سوى ادعاء العلاج بطرق غريبة أثبتها بتجربته الوحيدة. و لا في نفس الوقت بين من درس علم النفس أو الطب النفسي بطرق أكاديمية ربما عفا عنها الدهر كما هو الشأن مع نظريات نفسية لابد فيها من إعادة النظر.فالمشكلة لا تكمن في أن العلاج النفسي “لا ينفع”، بل في أن نتعامل معه أحياناً كما لو أنه طريق مضمون للشفاء، أو كما لو أن مجرد جلوسك أمام معالج نفسي كافٍ لإحداث التغيير. بينما الواقع البحثي أكثر تعقيداً: هناك من يتحسن، وهناك من يتحسن جزئياً، وهناك من لا يستجيب للعلاج، وهناك من ينسحب قبل اكتماله، وهناك نسبة صغيرة قد تتدهور حالتها أثناء العلاج أو بعده.

في مراجعة حديثة واسعة نُشرت سنة 2024 حول نتائج العلاج النفسي لثمانية اضطرابات نفسية، خلص الباحثون إلى أن معظم العلاجات النفسية فعالة مقارنة بمجموعات الضبط، لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى أن معدلات الاستجابة المطلقة ليست مرتفعة دائماً، وأن عدداً مهماً من المرضى لا يحققون تحسناً كافياً. هذه نتيجة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في طرفين: طرف يرفض العلاج النفسي كله، وطرف يقدمه وكأنه حل مضمون لكل الحالات.والأمر نفسه يظهر في اضطراب ما بعد الصدمة. ففي تحليل تلوي حديث حول عدم الاستجابة للعلاج النفسي في هذا الاضطراب، بلغ متوسط عدم الاستجابة حوالي 39%، أي أن قرابة أربعة من كل عشرة مرضى لم يحققوا التحسن المطلوب وفق معايير الدراسات. هذا لا يعني أن العلاج غير مفيد، لكنه يعني أن هناك نسبة كبيرة تحتاج إلى فهم أعمق: لماذا لم تستجب؟ هل بسبب شدة الصدمة؟ أم بسبب الاكتئاب المصاحب؟ أم بسبب طبيعة العلاج؟ أم بسبب ضعف التحالف العلاجي؟ أم لأن المريض كان يعيش في بيئة ما تزال تعيد إنتاج الجرح نفسه؟وهنا يجب أن نميز بين ثلاثة مفاهيم يخلط بينها الناس كثيراً: التحسن، والاستجابة، والشفاء.قد يشعر المريض ببعض الراحة بعد جلسات العلاج، وهذا يسمى تحسناً. وقد تنخفض أعراضه بدرجة معتبرة، وهذا يسمى استجابة علاجية. لكن الشفاء أو التعافي العميق يعني شيئاً أكبر: أن تتغير طريقة فهمه لنفسه، وعلاقته بمشاعره، وقدرته على اتخاذ القرار، وطريقة تعامله مع الضغوط، وأن لا يبقى أسيراً للنمط النفسي القديم الذي كان يعيد إنتاج الألم. ولذلك، أرى أنه من الخطأ أن نقيس نجاح العلاج النفسي فقط بسؤال: “هل شعرت بتحسن بعد الجلسة؟” لأن بعض الجلسات تمنح ارتياحاً مؤقتاً دون أن تصنع تغييراً جذرياً. كما يحدث مع بهرجة التنمية الذاتية و الجرعات التحفيزية. وقد يحدث أن يخرج المريض من الجلسة مرتاحاً لأنه تكلم، بكى، أو وجد من يسمعه، لكن بعد أسابيع أو أشهر يكتشف أن مشكلته الأساسية لم تتغير: ما زال يكرر السلوك نفسه، ينهار أمام الموقف نفسه، يعود إلى العلاقة المؤذية نفسها، أو يعيش بالهوية الجريحة نفسها.ومن هنا يظهر أحد حدود العلاج النفسي كما يمارس أحياناً: أن يتحول إلى مساحة تنفيس لا إلى مسار تغيير. التنفيس مهم، والاستماع مهم، والاحتواء مهم، لكنه ليس العلاج كله. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يقول ألمه، بل يحتاج أن يفهم بنيته الداخلية: ما الفكرة التي تحكمه؟ ما المعتقد الذي يسجنه؟ ما النمط الذي يكرره؟ ما الجرح الذي يفسر به الحياة و يتحكم فيه؟ وما السلوك الجديد الذي يجب أن يتدرب عليه خارج الجلسة؟ كذلك، تظهر مشكلة أخرى في الأبحاث وهي الانسحاب من العلاج. كثير من المرضى لا يكملون الخطة العلاجية أصلاً. وقد أشارت مراجعات حديثة إلى أن معدلات الانسحاب من العلاج النفسي قد تدور غالباً حول 20% أو أكثر، وترتفع في بعض الاضطرابات والسياقات. وفي اضطرابات الشخصية مثلاً، وجدت مراجعة منشورة سنة 2025 أن معدلات الانسحاب قد تراوحت بين 10.4% و58% بحسب نوع العلاج وخصائص المرضى. وهذا رقم مهم، لأن العلاج لا يمكن أن يحقق نتائجه إذا انقطع المسار قبل أن يصل إلى عمقه. و في نفس الوقت هنا أطرح سؤال مهما و هو: لماذا ينسحب المريض؟ أحياناً لأنه لم يجد نفسه مفهوماً. وأحياناً لأنه توقع نتائج سريعة. وأحياناً لأن العلاج لمس مناطق مؤلمة فهرب منها. وأحياناً لأن العلاقة مع المعالج لم تكن آمنة بما يكفي. وأحياناً لأن الخطة العلاجية لم تكن واضحة، فشعر أنه يدور في الكلام نفسه دون تقدم. وأحياناً لأن ظروفه الاجتماعية والمالية لا تسمح بالاستمرار.إذن، حين نقرأ الأرقام، يجب ألا نستعملها ضد العلاج النفسي، بل لفهم حدوده وشروط نجاحه. فالعلاج النفسي ليس مجرد تقنية، بل علاقة، ومنهج، وتشخيص، والتزام، وتطبيق، وبيئة داعمة، ومراجعة مستمرة للنتائج. وإذا اختل واحد من هذه العناصر، قد يضعف أثر العلاج أو يتوقف.من جهة أخرى، علينا أن ننتبه إلى أن بعض الناس يدخلون العلاج النفسي وهم ينتظرون من المعالج أن يغير حياتهم بدلاً عنهم. وهذا من أكثر التوقعات التي تضعف العلاج. فالمعالج لا يستطيع أن يعيش بدلاً عن المريض، ولا أن يتخذ القرار عنه، ولا أن يطبق المهارات عنه، ولا أن يخرج من العلاقات المؤذية نيابة عنه. العلاج يفتح الوعي، يكشف الأنماط، يرمم المعاني، يدرب على المهارات، لكنه لا يلغي مسؤولية المريض في التغيير.وفي المقابل، لا يجوز تحميل المريض وحده مسؤولية فشل العلاج. فهناك أيضاً أخطاء مهنية قد تجعل العلاج ضعيف الأثر: تشخيص متسرع، استعمال طريقة علاجية غير مناسبة للحالة، تجاهل الصدمات، تجاهل العوامل الأسرية والاجتماعية، عدم قياس التقدم، أو الاكتفاء بالاستماع دون بناء خطة علاجية واضحة.لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: لماذا لا ينفع العلاج النفسي؟بل السؤال الأقوى هو:لماذا لا يحقق العلاج النفسي نتائج كافية مع بعض المرضى، رغم أن الأدلة تثبت فعاليته عموماً؟هذا السؤال يفتح الباب لتحليل أعمق، لأنه يعترف بقيمة العلاج النفسي، لكنه لا يغلق العين عن حدوده. ويعترف بمعاناة المرضى الذين قضوا شهوراً أو سنوات في العلاج دون تقدم حقيقي، لكنه لا يحول تجاربهم الفردية إلى حكم نهائي على كل العلاج النفسي.الخلاصة أن العلاج النفسي ينفع، لكنه لا ينفع آلياً. يساعد، لكنه لا يضمن الشفاء. يفتح باب التغيير، لكنه لا يعبره بدلاً عن المريض. وكلما فهمنا هذه الحقيقة مبكراً، استطعنا أن نرفع جودة العلاج، ونحمي المرضى من الإحباط، ونساعد المعالجين على مراجعة طرائقهم، بدل أن يبقى المريض سنوات في جلسات كثيرة دون أن يعرف: هل أنا أتقدم فعلاً، أم أنني فقط أكرر ألمي أمام شخص يسمعني؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top