لقد درست و اشتغلت مهنة التدريس، فرأيت عجب العجاب! فمع إعلان نتائج الباكلوريا كل عام، تنقسم البيوت إلى قسمين، بيوت يملؤها الفرح و السرور، وأخرى يسودها الصمت والخيبة. وكأن ورقة واحدة أصبحت حكماً نهائياً على مستقبل الإنسان، بل أحياناً على قيمته.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بهدوء هو: ماذا تمثل شهادة الباكلوريا فعلاً؟ وما الذي لا تمثله؟

أولاً: الباكلوريا شهادة… وليست حكماً على قيمة الإنسان . فمن الناحية الموضوعية، تمثل الباكلوريا مؤشراً على مستوى أداء الطالب في مجموعة من المواد الدراسية خلال فترة زمنية محددة، وفق نظام تقييم معين.وهذا يعني أنها تقيس جانباً من قدرات الإنسان، لكنها لا تقيس كل الإنسان .فهي لا تقيس الصبر، ولا الحكمة، ولا الذكاء الاجتماعي، ولا القدرة على حل المشكلات الواقعية، ولا القيادة، ولا الإبداع، ولا قوة الشخصية، ولا تحمل الضغوط، ولا القدرة على التعلم المستمر.ولهذا نجد في الواقع أشخاصاً حصلوا على أعلى المعدلات، لكنهم تعثروا في حياتهم المهنية، وفي المقابل نجد آخرين لم يحققوا نتائج دراسية متميزة، ثم أصبحوا ناجحين في مجالاتهم بعد سنوات، لأن النجاح في الحياة يعتمد على منظومة أوسع بكثير من مجرد الأداء في امتحان واحد.

ثانياً: لماذا تتحول الباكلوريا عند بعض الناس إلى قضية وجود؟المشكلة ليست في الشهادة نفسها، وإنما في المعنى النفسي الذي نعطيه لها. فبعض الأسر، دون أن تشعر، تربط قيمة الابن أو الابنة بالنتيجة الدراسية، فينشأ الطفل وهو يستنتج رسالة خفية تقول:”إذا نجحت فأنا شخص يستحق التقدير، وإذا رسبت فأنا لا أساوي شيئا في الوجود البشري.”مع مرور السنوات، لا يعود الامتحان مجرد امتحان، بل يصبح اختباراً للهوية كلها.ولهذا قد يشعر بعض الطلاب بعد الرسوب أنهم ليسوا راسبين في مادة دراسية، بل أنهم فاشلون كأشخاص.وتبين أبحاث علم النفس أن الأشخاص الذين يربطون قيمتهم الذاتية بالإنجاز الدراسي يكونون أكثر عرضة لانخفاض تقديرهم لذواتهم بعد الإخفاق، وأكثر ميلاً إلى الانسحاب أو فقدان الدافعية، مقارنة بمن يرون أن النتيجة تعبر عن أداء قابل للتحسين، لا عن قيمتهم الإنسانية.

ثالثاً: ماذا تمثل الباكلوريا فعلاً؟

لنكن واقعيين، فالباكلوريا ليست ورقة بلا قيمة، كما يحاول البعض أن يصورها بعد الرسوب.بل هي شهادة مهمة، لأنها تفتح أبواباً تعليمية ومهنية معينة، وكلما ارتفع المعدل، اتسعت بعض الخيارات المتاحة أمام الطالب.إذن، من الخطأ التقليل من أهميتها.لكن من الخطأ أيضاً أن نجعلها المعيار الوحيد الذي نحكم به على مستقبل إنسان .فهي تفتح بعض الأبواب، لكنها لا تضمن النجاح بعد دخولها.و هنا دعني أسألك: كم من طالب رأيته أو سمعت عنه من ابناء عائلتك أو أبناء الجيران دخل أفضل التخصصات ثم توقف عن التطور، وكم من طالب بدأ من فرص متواضعة ثم صنع لنفسه مكانة كبيرة بفضل التعلم المستمر والانضباط والعمل.

رابعاً: أخطر خطأ نفسي بعد إعلان النتائج

أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يحول نتيجة الامتحان إلى تعريف بطاقة تعريف لهويته و مستقبله. هناك فرق كبير بين أن تقول:”لقد رسبت.”وبين أن تقول:”أنا فاشل.”الجملة الأولى تصف حدثاً.أما الثانية فتصف الذات كلها.وهذا الفرق البسيط في اللغة يصنع فرقاً هائلاً في الصحة النفسية.وقد أوضحت أبحاث عالمة النفس Carol Dweck أن الأشخاص الذين ينظرون إلى الفشل على أنه دليل على نقص ثابت في قدراتهم يتأثر تقديرهم لذواتهم بشكل أكبر، بينما من يرون القدرات قابلة للنمو والتطور يكونون أكثر قدرة على التعلم والعودة بعد الإخفاق.

خامساً: ما الذي لا تستطيع الباكلوريا أن تخبرنا به؟

لا تستطيع أن تخبرنا: من سيكون أكثر التزاماً بعد عشر سنوات. من سيتعلم باستمرار. من سيبني مشروعاً ناجحاً. من سيقود فريقاً. من سيكون زوجاً أو أباً أو أماً صالحاً. من سيصمد أمام الأزمات. من سيملك المرونة النفسية التي تساعده على النهوض بعد السقوط.كل هذه الصفات لا تظهر في ورقة النتائج، لكنها من أكثر العوامل تأثيراً في النجاح على المدى البعيد.

أخيراً…إذا نجحت، فاشكر الله، وافرح، لكن لا تجعل شهادتك هي هويتك.وإذا لم تحقق النتيجة التي تمنيتها، فاحزن بالقدر الطبيعي، ثم انهض، لكن لا تجعل ورقة النتائج تكتب تعريفك لنفسك.فالباكلوريا قد تحدد المرحلة التعليمية التي ستبدأ منها، لكنها لا تستطيع أن تحدد الإنسان الذي ستصبحه.وهذا القرار يبقى بيدك، لا بيد ورقة الامتحان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top